علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
18
الصداقة والصديق
بنقاء النفس متأثرا بالتّصوّف والزّهد من جهة ، وبفلسفة الحكيمين أفلاطون وأرسطو « 1 » من جهة أخرى ، وقد حدّد في رسالة السياسة المدنية العلاقات والمعاملات بين الرئيس والمرءوس ، والرفقاء والأصدقاء ، والأعداء والعلماء وكل ذلك على أساس مكارم الأخلاق ، والتعقل ، والرّوية ، والتّلطف ، والإحسان ، والحلم . وبما أن فلسفة الفارابي قد آلت في نهاية الأمر إلى تلاميذه وفي طليعتهم أبو زكريا يحيى بن عدي ، وأبو سليمان السجستاني ، وهما أستاذا التوحيدي ، أمكننا تصور مقدار تأثر التوحيدي بالفلسفة الفارابية ، ومدى تأثير هذه الفلسفة في نظرته للصداقة والصديق ، ولا أدلّ على ذلك من مخاطبته القارئ في مستهل الرسالة بلهجة المتدينين المرشدين وعبارات الصوفيين الأتقياء قال : « اللهم ! خذ بأيدينا فقد عثرنا ، واستر علينا فقد أعورنا ، وارزقنا الألفة التي بها تصلح القلوب ، وتنقى الجيوب ، حتى نتعايش في هذه الدار مصطلحين على الخير ، مؤثرين للتقوى ، عاملين شرائط الدّين ، آخذين بأطراف المروءة ، آنفين من ملابسة ما يقدح في ذات البين ، متزوّدين للعاقبة التي لا بدّ من الشخوص إليها ، ولا محيد عن الاطّلاع عليها » . ولا ريب في أن النزعة الفضائلية المشوبة بالصّوفيّة هي ردّة فعل للانحطاط الخلقي والفساد الاجتماعي في ذلك الزمن .
--> ( 1 ) للفيلسوف أرسطو آراء في الصداقة نرى انعكاسها فيما ألفه العرب عن الصداقة وبخاصة التوحيدي ، ويقسّم أرسطو الصداقة إلى ثلاثة أنواع : صداقة مبنية على المنافع ، وصداقة مبنية على اللذة ، وصداقة مبنية على الفضيلة . وعلى هذه المحاور الثلاثة تدور صداقات البشر . ويقول أرسطو معرفا الصداقة : « أنها توافق تام في الأمور الإلهية والأمور الإنسانية ، مدعوما بالرأفة والود المتبادل ، ولا أدري فيما إذا كانت الآلهة ، إذا استثنينا الحكمة ، قد قدمت للبشر منحة أفضل من الصداقة » ، وفي الرسالة أقوال لفلاسفة اليونان تطابق نظرة التوحيدي إلى الصداقة والصديق .